محمد علي الحسن
93
المنار في علوم القرآن
المبحث الثاني المكي والمدني من القرآن المراد بالمكي والمدني : لم يرد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيان في ذلك ، لأن المسلمين آنذاك لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان ، فهم يشهدون الوحي ومكانه وزمانه ، وأسباب نزوله بل ينتظرونه أحيانا لتوضيح مسألة أو للحكم في قضية . إنما وقع الخلاف بين العلماء حين غابت هذه الظروف ، وامتد الزمن حول بعض الآيات وبعض السور ، وأظهر ما يكون الخلاف في السور المكية وآياتها ، لأن حوادث مكة لم تعد واضحة بينة مثل حوادث المدينة . وقد تعددت وجهات النظر حول الأسس والضوابط في تقسيم القرآن الكريم إلى مكي ومدني ، فمن العلماء من اعتبر الزمان ، ومنهم من اعتبر المكان ، ومنهم من راعى توجيه الخطاب . والأول هو المشهور عند أئمة التفسير ، بل المجمع عليه ، لأنه تقسيم ضابط وحاصر ومطرد ، فما نزل من القرآن قبل الهجرة فهو مكي ، وإن نزل خارج مكة ، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني ، وإن نزل خارج المدينة ، بل لو نزل في مكة ذاتها . لذا فقد جعلوا سورة النصر مدنية ، وقد نزلت في مكة ، واعتبروا آية المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 5 ] مدنية كذلك ، وقد نزلت على عرفات قرب مكة . أما من جعل المكان مناطا للتقسيم فقال : ما نزل في مكة فهو مكي ، وما نزل في المدينة فهو مدني ، ولما كان من الآيات ما نزل خارج مكة وخارج المدينة ، فقد وسع هؤلاء الدائرة المكانية فقالوا : ما نزل بمكة وضواحيها كمنى وعرفات والحديبية فهو مكي ، وما نزل بالمدينة وضواحيها كبدر وأحد فهو مدني ، وعلى الرغم من ذلك بقي هذا التقسيم غير شامل ولا حاصر لكثير من الحالات ، إذ إن من الآيات ما نزل في غير مكة والمدينة وضواحيها ، كالآيات التي نزلت في بيت المقدس وتبوك وغيرها ، مما اضطر بعضهم إلى تقسيمه أربعة أقسام كما قال ابن النقيب في مقدمة تفسيره :